‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشعر في الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشعر في الإسلام. إظهار كافة الرسائل
السبت، 15 فبراير 2014

تعليقات أبيات لفاطمة رضي الله عنها بعد وفاة ابيها صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم





قالت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة ابيها المصطفى:

اغبرَّ آفاقُ السماءِ، وكُوِّرَتْ ... ... شمسُ النهار، وأَظْلَم العصرانِ

فالأرضُ من بعد النبي كئيبةٌ ... ... أسفاً عليه كثيرةُ الرجَفَان

فَليَبْكِهِ شَرْقُ البلاد وغَرْبُها ... ... وليبكه مُضَرٌ وكل يَمَانِ

وليبكه الطور المعظم جَوُهُ ... ... والبيتُ ذو الأسْتَار والأَركانِ

يا خاتم الرسل المبارك ضوءُهُ ... ... صلَى عليك منزِّلُ الفُرقان



تعليقات مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -4-

بسم الله الرحمن الرحيم 








وقال الحطيئة:


ألا طرقتنا بعدما هجعوا هندُ ... وقد سرنَ خمساً واتلأبَّ بنا نجدَ

الاتلئبابُ: الانطلاق والتتابع والسرعة. والمتلئب: المنبسط.
ويروى: واستبان لنا نجدُ.
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى من دونها النأيُ والبعدُ
وهندٌ أتى منْ دونها ذو غواربٍ ... يقمصُ بالبوصيِّ معرورفٌ وردَ
ذو غوارب: له أسنمةٌ من الموج. ومعروف: له عرف. وورد: كدرٌ أحمر. والبوصيُّ: السفينة. ويقمص بها: يضطرب.
وإن التي نكبتها عن معاشرٍ ... غضابٍ على أن صددتُ كما صدُّوا
يعني القصيدة التي مدحَ بها بني قريع. نكبتها عن معاشر: يريد الزبرقان، وبني بهدلة.


أتت آلَ شماسِ بنْ لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلامُ والحسبُ العدُّ
يقول: أتاهم بها أحلامهم وحسبهم. والعد: مأخوذ من الماءِ العد، وهو الذي لا يكادُ ينقطع.

فإنَّ الشقيَّ منْ تعادِي صدروهم ... وذو الجدِّ منْ لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإنْ غضبوا جاَء الحفيظةُ والحدُّ
الأناةُ: الانتظار. ويقال: ما أبعدَ حلمه! أي لا يعجلُ والحفيظة: ما أحفظك. والحد: حد البأس.
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدُّوا المكانَ الذي سدوا
أولئكَ قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإنْ عقدوا شدوا
البني: جمع بنية. ويروى: البني. يقال: ما أحسن بنية بيتك؛ أيْ هيئته التي بني عليها، كقولك: ما أحسن ضجعته وركبته!
وإنْ كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإنْ أنعموا لا كدروها ولا كدُّوا
ويروى: وإن كانت النعماءُ فيهم؛ أي إن كانت لقومٍ عليهم يدٌ ومنةٌ كافئوا بها؛ وإن كانت لهم على قومٍ يدٌ لم تستثيبوها.
وإن قال مولاهم، على جلِّ حادثٍ ... من الدهرِ، ردوا بعضَ أحلامكم ردوا
يقول: إن قال ابنُ عمهم على عظيم من الحدثان: ردوا بعض أحلامكم فعلوا. وهذا من فضل حلمهم.
وإن غاب عن لأيٍ بغيضٌ كفتهم ... نواشئُ لم تطرْ شواربهم مردُ
وكيفَ ولمْ أعلمهمُ خذلوكمُ ... على مفظعٍ ولا أديمكمُ قدوا
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجىَ ... بنَى لهمُ آباؤهمْ وبنى الجد
فمنْ مبلغٌ لأياً بأنْ قد سعى لكمْ ... إلى السورةِ العليا أخٌ لكم جلدُ
أي إلى الشرف الأعلى. والسورة: المجد. والسورة: ما يسور في الرأس من غضبٍ أو سكرٍ.
جرى حين جارى لا يساوى عنانه ... عنانٌ ولا يثني أجاريهُ الجهدُ
أي لمَّا سابق سبق. وهذا مثلٌ ضربهُ. ويعني بأجاريه ضروباً من جريه.
يقول: إذا جهد لم يذهب ذلك من جريه ولم يثنه.
رأى مجدَ أقوامٍ أضيعَ فحثهمْ ... على مجدهم لما رأى أنه الجد


وقد لامني أفناءُ سعد عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد
يروى: وتعذلني أفناءُ سعد.

وقال يمدح بغيضاً:
آثرتُ إدلاجي على ليلِ حرةٍ ... هضيمِ الحشا حسانةِ المتجرد
إذا النومُ ألهاها عن الزادِ خلتها ... بعيدَ الكرى باتتْ على طيّ مجسد
أي هي ميسان: مفعال من الوسنِ، فيلهيها النوم عن العشاءِ. والمجسد: المصبوغ بالجساد: الزعفران.
إذا ارتفقتْ فوقَ الفراشِ تخالها ... تخافُ انبتَاتَ الخصرِ ما لم تشدد
ارتفقت: وضعت مرفقها تحت رأسها. وارتفقت: اتكأت على مرفقها ومنه قيل للوسادة: مرفقة.
يقول: تخاف أن ينقطع خصرها لدقته ولينه.
عميمةُ ما تحتَ النطاقِ وفوقهُ ... عسيبٌ نما في ناضرٍ لم يخضدِ
العميم: التام؛ يعني عجيزتها. وما فوق ذلك كأنه عسيب في لينه.
-
تراها تغضُّ الطرفَ دوني كأنما ... تضمنُ عيناها قذًى غيرَ مفسد
أي تكسرُ طرفها دوني. غير مفسد: أي لم يبلغ أن يفسد عينيها.
وتفرقُ بالمدرَى أثيثاً نباتهُ ... على واضحِ الذفرَى أسيلِ المقلدِ
الأثيثُ: الكثير من الشعر والنبات. والأسيل: الطويل. والمقلد: العنق.
تضوعُ رياها إذا جئتُ طارقاً ... كريح الخزامى في نباتِ الخلي الندي
تضوع وضاع يضوع: فاح.
وإن شئتُ بعدَ النوم ألقيتُ ساعدي ... على كفلٍ ريانَ لم يتخدد
لم يتخدد: لم يهزل وينقص.
لها طيبُ ريَّا إنْ نأتني، وإنْ دنتْ ... دنتْ وعثةٌ فوقَ الفراشِ الممهد
الوعثة: اللينة السهلة المسِّ.


وفي كلِّ ممسَ ليلةٍ ومعرسٍ ... خيالٌ يوافي الركبَ من أمِّ معبَد
فحياكِ ودٌّ من هداكِ لفتيةٍ ... وصهبٍ بأعلى ذي طوالةَ هجد

الأصمعي: فحياكِ ربي؛ لأن وداً اسم صنم.
تسديتنا منْ بعدِ ما نام ظالعُ ال ... كلابِ وأخبى نارهُ كلُّ موقدِ
تسديتنا: ركبتنا يعني خيالها. والظالع من الكلاب: الذي ينتظر الكلبة حتى تسفد ويسفد هو آخر الكلاب لأنه أضعفها. ومنه يقال: ارقَ على ظلعك؛ أي اصعد الجبل وأنتَ تعلمُ أنكَ
ظالع، فلا تجهد نفسك.
لما رأتْ من في الرحالِ تعرضتْ ... حياءً وصدتْ تتقي القومَ باليد
تعرضت: ولتنا عرضها. والعرضُ: الجانب. وصدت تأخرت.
وأنى اهتدتْ والدوُّ بيني وبينها ... وما خلتُ ساري الليلِ بالدوِّ يهتدي
بأرضٍ ترى فرخَ الحبارَى كأنهُ ... بها راكبٌ موفِ على ظهرِ قردد
الموفى: المشرف. يريد أن الدو مستوٍ، فإذا رأيت حجراً قد نصب فيه رأيته كأنه قصرٌ من شدة استواءِ الأرض.
وأد ماَء حرجوج تعاللتُ موهناً ... بسوطيَ فارمدتْ نجاَء الخفيددِ
الأدماء: البيضاءُ هنا. والحرجوج: الطويلة على وجه الأرض. وتعاللتُ: طلبتُ علالتها. والعلالة: الشيء بعد الشيء، مثل المشي بعد المشي، والعدوِ بعد العدو. وموهناً: بعد سعاة من الليل مضت. وقوله: نجاءَ الخفيدد: أي عدو الظليم.
وإن خاف جوراً من طريقٍ رمى بها ... سوى القصد حتى تستقيم ضحى الغد
يقول: إن خاف أن تجور به عن الطريق اعتسف بها غير الطريق حتى تلقى ضحوة الغد لما فيها من العلالةِ والبقية.
وكادت على الأطواءِ أطواءِ ضارجٍ ... تساقطني والرحلَ من صوت هدهد
يروى: تكسرني والرحل.
ترى بين لحييها إذا ما تبغمتْ ... لغاماً كبيتِ العنكبوتِ الممدد
اللغام: زبد الإبل.
ويروى: تزغمت. والتزغم: صوتٌ ضعيف. يقول: لا ترغو من الضجر.

كأنَّ هويَّ الريح بين فروجها ... تجاوبُ أظارٍ على ربعٍ ردي
أي هي مشرفةٌ، فإذا هبت الريح بين فروجها سمعت لها دوياً كأنه صوت أظارٍ عطفن على حوارٍ أصابه ردًى. ويقال: رديَ على فعل بمعنى انكسر. ويقال: ظئر وأظآر وظؤار وظؤرة. وهي المعطوفة.

وترمي يداها بالحصى خلفَ رجلها ... وترمي به الرجلانِ دابرةَ اليد
قال السجستاني: وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ بعد هذا البيت أربعة أبيات كتبتا ليعرف
المصنوع؛ وهي:
وتشربُ بالقعبِ الصغير وإن تقدْ ... بمشفرها يوماً إلى الحوضِ تنقد
وإن حطَّ عنها الرحلُ قاربَ خطوها ... أمينُ القوى كالدملجِ المتعضدِ
تراقبُ عيناها إذا تلعَ الضحا ... ذباباً كصوتِ الشاربِ المتغردِ
وتضحي الجبالُ الغبرُ خلفي كأنها ... من الآلِ حفتْ بالملاءِ المعضدِ
هذا آخر الزيادة.
يظلُّ الغرابُ الأعورُ العينِ واقعاً ... مع الذئبِ يعتسانِ نارِي ومفأدي
المفأد: الموضعُ الذي تحشُّ في النار.
قال: والمفأد بكسر الميم: عصية يقلبُ بها الملة والشواء. وقال غيره: المفأد: السفود.
وإن نظرت يوماً بمؤخرِ عينها ... إلى علمٍ بالغورِ قالت له: ابعد
أي لا يشتد عليها بعده لنشاطها وقوتها على السير. والعلم: الجبل. والغور: غور تهامة.
فما زالت العوجاء تجري ضفورها ... إليكَ ابنَ شماسٍ تروحُ وتغتدي
العوجاءُ: المهزولة. والضفور: الأنساع. يقول: رحلتها وهي سمينةٌ فهزلت فاضطربت ضفورها. والواحد ضفر؛ قال الشاعر:
وقد تدانى حقبٌ وضفر


إلى ماجدِ يعطي على الحمدِ ماله ... ومن يعط أثمانَ المحامدِ يحمد
وأنت امرؤٌ من تعطهِ اليومَ نائلا ... بكفيك لا يمنعكَ من نائل الغدِ
أراد قول النابغة:
ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غد
دون عطاء غد.
مفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهللَ واهتزَّ اهتزازَ المهند
متى تأتهِ تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقد
عشا يعشو: إذا استدلَ على النارِ ببصرٍ ضعيف. وقال ابن دريد: عشوتُ إلى ضوئك إذا قصدته بليل. وقال غيره: العاشي: الذي يسيرُ في ظلمة الليل على ضوءٍ قليل.
هو الواهبُ الكومَ الصفايا لجاره ... يروحها العبدانُ في العازبِ الندي
يروى: العبدان. جمل أكوم، وناقة كوماء؛ وهي العظيمة السنام.
الثلاثاء، 11 فبراير 2014

تعليقات مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -3-

بسم الله الرحمن الرحيم







مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -3-





وقال الحطيئة:
ألا طرقتنا بعدما هجعوا هندُ ... وقد سرنَ خمساً واتلأبَّ بنا نجدَ
الاتلئبابُ: الانطلاق والتتابع والسرعة. والمتلئب: المنبسط.
ويروى: واستبان لنا نجدُ.
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى من دونها النأيُ والبعدُ
وهندٌ أتى منْ دونها ذو غواربٍ ... يقمصُ بالبوصيِّ معرورفٌ وردَ
ذو غوارب: له أسنمةٌ من الموج. ومعروف: له عرف. وورد: كدرٌ أحمر. والبوصيُّ: السفينة. ويقمص بها: يضطرب.
وإن التي نكبتها عن معاشرٍ ... غضابٍ على أن صددتُ كما صدُّوا
يعني القصيدة التي مدحَ بها بني قريع. نكبتها عن معاشر: يريد الزبرقان، وبني بهدلة.


أتت آلَ شماسِ بنْ لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلامُ والحسبُ العدُّ

يقول: أتاهم بها أحلامهم وحسبهم. والعد: مأخوذ من الماءِ العد، وهو الذي لا يكادُ ينقطع.
فإنَّ الشقيَّ منْ تعادِي صدروهم ... وذو الجدِّ منْ لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإنْ غضبوا جاَء الحفيظةُ والحدُّ
الأناةُ: الانتظار. ويقال: ما أبعدَ حلمه! أي لا يعجلُ والحفيظة: ما أحفظك. والحد: حد البأس.
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدُّوا المكانَ الذي سدوا
أولئكَ قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإنْ عقدوا شدوا
البني: جمع بنية. ويروى: البني. يقال: ما أحسن بنية بيتك؛ أيْ هيئته التي بني عليها، كقولك: ما أحسن ضجعته وركبته!
وإنْ كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإنْ أنعموا لا كدروها ولا كدُّوا
ويروى: وإن كانت النعماءُ فيهم؛ أي إن كانت لقومٍ عليهم يدٌ ومنةٌ كافئوا بها؛ وإن كانت لهم على قومٍ يدٌ لم تستثيبوها.
وإن قال مولاهم، على جلِّ حادثٍ ... من الدهرِ، ردوا بعضَ أحلامكم ردوا
يقول: إن قال ابنُ عمهم على عظيم من الحدثان: ردوا بعض أحلامكم فعلوا. وهذا من فضل حلمهم.
وإن غاب عن لأيٍ بغيضٌ كفتهم ... نواشئُ لم تطرْ شواربهم مردُ
وكيفَ ولمْ أعلمهمُ خذلوكمُ ... على مفظعٍ ولا أديمكمُ قدوا
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجىَ ... بنَى لهمُ آباؤهمْ وبنى الجد
فمنْ مبلغٌ لأياً بأنْ قد سعى لكمْ ... إلى السورةِ العليا أخٌ لكم جلدُ
أي إلى الشرف الأعلى. والسورة: المجد. والسورة: ما يسور في الرأس من غضبٍ أو سكرٍ.
جرى حين جارى لا يساوى عنانه ... عنانٌ ولا يثني أجاريهُ الجهدُ
أي لمَّا سابق سبق. وهذا مثلٌ ضربهُ. ويعني بأجاريه ضروباً من جريه.
يقول: إذا جهد لم يذهب ذلك من جريه ولم يثنه.
رأى مجدَ أقوامٍ أضيعَ فحثهمْ ... على مجدهم لما رأى أنه الجد


وقد لامني أفناءُ سعد عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد

يروى: وتعذلني أفناءُ سعد.
وقال يمدح بغيضاً:
آثرتُ إدلاجي على ليلِ حرةٍ ... هضيمِ الحشا حسانةِ المتجرد
إذا النومُ ألهاها عن الزادِ خلتها ... بعيدَ الكرى باتتْ على طيّ مجسد
أي هي ميسان: مفعال من الوسنِ، فيلهيها النوم عن العشاءِ. والمجسد: المصبوغ بالجساد: الزعفران.
إذا ارتفقتْ فوقَ الفراشِ تخالها ... تخافُ انبتَاتَ الخصرِ ما لم تشدد
ارتفقت: وضعت مرفقها تحت رأسها. وارتفقت: اتكأت على مرفقها ومنه قيل للوسادة: مرفقة.
يقول: تخاف أن ينقطع خصرها لدقته ولينه.
عميمةُ ما تحتَ النطاقِ وفوقهُ ... عسيبٌ نما في ناضرٍ لم يخضدِ
العميم: التام؛ يعني عجيزتها. وما فوق ذلك كأنه عسيب في لينه.
-
تراها تغضُّ الطرفَ دوني كأنما ... تضمنُ عيناها قذًى غيرَ مفسد
أي تكسرُ طرفها دوني. غير مفسد: أي لم يبلغ أن يفسد عينيها.
وتفرقُ بالمدرَى أثيثاً نباتهُ ... على واضحِ الذفرَى أسيلِ المقلدِ
الأثيثُ: الكثير من الشعر والنبات. والأسيل: الطويل. والمقلد: العنق.
تضوعُ رياها إذا جئتُ طارقاً ... كريح الخزامى في نباتِ الخلي الندي
تضوع وضاع يضوع: فاح.
وإن شئتُ بعدَ النوم ألقيتُ ساعدي ... على كفلٍ ريانَ لم يتخدد
لم يتخدد: لم يهزل وينقص.
لها طيبُ ريَّا إنْ نأتني، وإنْ دنتْ ... دنتْ وعثةٌ فوقَ الفراشِ الممهد
الوعثة: اللينة السهلة المسِّ.


وفي كلِّ ممسَ ليلةٍ ومعرسٍ ... خيالٌ يوافي الركبَ من أمِّ معبَد

فحياكِ ودٌّ من هداكِ لفتيةٍ ... وصهبٍ بأعلى ذي طوالةَ هجد
الأصمعي: فحياكِ ربي؛ لأن وداً اسم صنم.
تسديتنا منْ بعدِ ما نام ظالعُ ال ... كلابِ وأخبى نارهُ كلُّ موقدِ
تسديتنا: ركبتنا يعني خيالها. والظالع من الكلاب: الذي ينتظر الكلبة حتى تسفد ويسفد هو آخر الكلاب لأنه أضعفها. ومنه يقال: ارقَ على ظلعك؛ أي اصعد الجبل وأنتَ تعلمُ أنكَ
ظالع، فلا تجهد نفسك.
لما رأتْ من في الرحالِ تعرضتْ ... حياءً وصدتْ تتقي القومَ باليد
تعرضت: ولتنا عرضها. والعرضُ: الجانب. وصدت تأخرت.
وأنى اهتدتْ والدوُّ بيني وبينها ... وما خلتُ ساري الليلِ بالدوِّ يهتدي
بأرضٍ ترى فرخَ الحبارَى كأنهُ ... بها راكبٌ موفِ على ظهرِ قردد
الموفى: المشرف. يريد أن الدو مستوٍ، فإذا رأيت حجراً قد نصب فيه رأيته كأنه قصرٌ من شدة استواءِ الأرض.
وأد ماَء حرجوج تعاللتُ موهناً ... بسوطيَ فارمدتْ نجاَء الخفيددِ
الأدماء: البيضاءُ هنا. والحرجوج: الطويلة على وجه الأرض. وتعاللتُ: طلبتُ علالتها. والعلالة: الشيء بعد الشيء، مثل المشي بعد المشي، والعدوِ بعد العدو. وموهناً: بعد سعاة من الليل مضت. وقوله: نجاءَ الخفيدد: أي عدو الظليم.
وإن خاف جوراً من طريقٍ رمى بها ... سوى القصد حتى تستقيم ضحى الغد
يقول: إن خاف أن تجور به عن الطريق اعتسف بها غير الطريق حتى تلقى ضحوة الغد لما فيها من العلالةِ والبقية.
وكادت على الأطواءِ أطواءِ ضارجٍ ... تساقطني والرحلَ من صوت هدهد
يروى: تكسرني والرحل.
ترى بين لحييها إذا ما تبغمتْ ... لغاماً كبيتِ العنكبوتِ الممدد
اللغام: زبد الإبل.
ويروى: تزغمت. والتزغم: صوتٌ ضعيف. يقول: لا ترغو من الضجر.


كأنَّ هويَّ الريح بين فروجها ... تجاوبُ أظارٍ على ربعٍ ردي

أي هي مشرفةٌ، فإذا هبت الريح بين فروجها سمعت لها دوياً كأنه صوت أظارٍ عطفن على حوارٍ أصابه ردًى. ويقال: رديَ على فعل بمعنى انكسر. ويقال: ظئر وأظآر وظؤار وظؤرة. وهي المعطوفة.
وترمي يداها بالحصى خلفَ رجلها ... وترمي به الرجلانِ دابرةَ اليد
قال السجستاني: وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ بعد هذا البيت أربعة أبيات كتبتا ليعرف
المصنوع؛ وهي:
وتشربُ بالقعبِ الصغير وإن تقدْ ... بمشفرها يوماً إلى الحوضِ تنقد
وإن حطَّ عنها الرحلُ قاربَ خطوها ... أمينُ القوى كالدملجِ المتعضدِ
تراقبُ عيناها إذا تلعَ الضحا ... ذباباً كصوتِ الشاربِ المتغردِ
وتضحي الجبالُ الغبرُ خلفي كأنها ... من الآلِ حفتْ بالملاءِ المعضدِ
هذا آخر الزيادة.
يظلُّ الغرابُ الأعورُ العينِ واقعاً ... مع الذئبِ يعتسانِ نارِي ومفأدي
المفأد: الموضعُ الذي تحشُّ في النار.
قال: والمفأد بكسر الميم: عصية يقلبُ بها الملة والشواء. وقال غيره: المفأد: السفود.
وإن نظرت يوماً بمؤخرِ عينها ... إلى علمٍ بالغورِ قالت له: ابعد
أي لا يشتد عليها بعده لنشاطها وقوتها على السير. والعلم: الجبل. والغور: غور تهامة.
فما زالت العوجاء تجري ضفورها ... إليكَ ابنَ شماسٍ تروحُ وتغتدي
العوجاءُ: المهزولة. والضفور: الأنساع. يقول: رحلتها وهي سمينةٌ فهزلت فاضطربت ضفورها. والواحد ضفر؛ قال الشاعر:
وقد تدانى حقبٌ وضفر

إلى ماجدِ يعطي على الحمدِ ماله ... ومن يعط أثمانَ المحامدِ يحمد

وأنت امرؤٌ من تعطهِ اليومَ نائلا ... بكفيك لا يمنعكَ من نائل الغدِ 

أراد قول النابغة: 

ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غد 

دون عطاء غد. 

مفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهللَ واهتزَّ اهتزازَ المهند 

متى تأتهِ تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقد 

عشا يعشو: إذا استدلَ على النارِ ببصرٍ ضعيف. وقال ابن دريد: عشوتُ إلى ضوئك إذا قصدته بليل. وقال غيره: العاشي: الذي يسيرُ في ظلمة الليل على ضوءٍ قليل. 

هو الواهبُ الكومَ الصفايا لجاره ... يروحها العبدانُ في العازبِ الندي 

يروى: العبدان. جمل أكوم، وناقة كوماء؛ وهي العظيمة السنام.

تعليقات مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -2-

بسم الله الرحمن الرحيم



مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -2-







وقال الحطيئة:




ألا قالت أمامةُ هلْ تعزى ... فقلتُ أمامَ قد غلبَ العزاءُ
إذا ما العينُ فاض الدمعُ منها ... أقولُ بها قذى وهو البكاءُ
أقول بها قذًى فأعتلُّ بذاك. يقول: بكيتُ - وقبيح بالشيخ أن يبكي - اعتللت على من يحضرني.
لعمرك ما رأيتُ المرَء تبقي ... طريقته وإن طالَ البقاءُ
على ريبِ المنونِ تداولتهُ ... فأفنتهُ وليس له فناءُ
ريب المنون: ما يريبك من أحداثها. والمنون: الموت. قال أبو الهيثم: المنون يذكر ويؤنث. قال: وجعل الفعل للمنون دونَ الريب الذي أضافهُ إليها.
إذا ذهبَ الشبابُ فبانَ منهُ ... فليسَ لما مضي منه لقاءُ
يصبُّ إلى الحياةِ ويشتهيها ... وفي طولِ الحياةِ له عناءُ
يصبُّ: يأخذه لها صبابة؛ أي رقة. والعناءُ: المشقة.
فمنها أنْ يقادَ بهِ بعيرٌ ... ذلولٌ حين تهترشُ الضراءُ
أي فمنم المشقة؛ ذهب إلى المشقة دون العناء. أي قاد به بعيرٌ ذلول لا يفزع إذا اهترشت الكلابُ؛ أي يختارُ له بعير هذه صفته لئلا يحركه لكبره.
ومنها أن ينوء على يديه ... لينهض في تراقيه انحناء
أي يعتمد على يديه ليقوم وقد تحنت تراقيه لكبره. قال: والشيخ إذا أسن التقت ترقوتاه، يعني أنه تقرب إحداهما من الأخرى.
ويأخذه الهداجُ إذا هداهُ ... وليدُ الحيِّ في يده الرداءُ
هداه وليد الحي: قاده وأمسك بردائه من الكبر. والهداج والهدجان والهدجة والهدج: مقاربة الخطو ومداركته. قال هميان: جاءوا شماطيط وجئت هدجاً.
وينظرُ حوله فيرى بنيهِ ... حواءً حالَ دونهمُ حواءُ
الحواء: عشرة أبيات إلى الثلاثين. يقول: يكثرون حوله، لأنه قد أسنَّ.
ويحلفُ حلفةً لبني أبيه ... لأنتم معطشونَ وهمْ رواءُ
يروى: لبني بنيه. يقول: يختلط ويخرف فيخلطُ في كلامه. والمعطش: الذي دوابه عطاش. وكذلك المهزل: الذي دوابه مهازيل. والمغد: الذي بدوابه الغدة. وكذلك المصبح، والممرض.
قال: يقول لهم إبلكم وشاؤكم عطاش، وهي رواءٌ.


ويأمر بالركابِ فلا تعشى ... إذا أمسى وإن قربَ العشاءُ

يقول: احبسوها عن العشاءِ؛ وهذا من اختلاطه.
تقولُ له الظعينةُ أغنِ عنِّي ... بعيركَ حينَ ليس بهِ غناءُ
لا غناءَ عنده لضعفه فلا يقوَى على حبس البعير.
ألاَ أبلغْ بني عوفِ بن كعبٍ ... فهل حيٌّ على خلق سواءُ
يقول: أرى أخلاقكم مختلفة؛ فقد فضلكم هؤلاء.
عطاردها وبهدلةَ بن عوف ... فهل يشفي صدوركمُ الشفاءُ
يقول: هل يشفي صدوركم أن أبين لكم القصة؛ أي أبين لكم ما فعل بي.
ألمْ أكُ نائياً فدعوتموني ... فجاء بي المواعدُ والدعاءُ
ألمْ أكُ جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركمُ عواءُ
وآنيتُ العشاَء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء
آنيت إيناءً: انتظرت وتمكثت. والأناءُ: الاسم؛ أي طال تمكثي وانتظاري لخيركم.
ألمْ أكُ جاركم ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ
ولما أنْ أتيتكمُ أبيتمْ ... وشرُّ مواطنِ الحسبِ الإباءُ
ولمَّا أَنْ أتيتُهمُ حبوني ... وفيكمُ كان لو شئتمْ حباءُ
ولمَّا أنْ مدحتُ القومَ قلتُم ... هجوت، وهل يحلُّ لي الهجاءُ
فلم أشئتمْ لكمْ حسباً ولكنْ ... حدوت بحيث يستمعُ الحداءُ
حدوت: رفعت صوتي بمدحهم.
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... بأن يبنوا المكارمَ حيث شاءوا
يقال للرجل: ما ظلم أن أشبهَ أباه، وليس منْ تظالم الناس؛ إنما هو مثل ظلم السقاء، ومظلوم التراب.
ولا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... ولا عنفوا بذاك ولا أساءوا
ما عنفوا بذاك: أي بالأمر الذي كسبوا به المحامد.
بعثرةِ جارهمْ أن ينعشوها ... فيغبر بعدها نعمٌ وشاءُ
يقول: يعطونه عطيةً ينجبر بها وتذهب مصيبته، فيبقى له مالٌ بعدُ من إبلٍ وشاءٍ.


فيبني مجدها ويقيمُ فيها ... ويمشي إنْ أريدَ به المشاءُ

يمشي: تكثر ماشيته. يقال: مشيت إبل بني فلان تمشى مشاءً: نمت وكثر نسلها. ويبني مجدها: يعني مجد النعم عن أبي الهيثم.
وإن الجارَ مثلُ الضيفِ يغدو ... لوجهتهِ وإنْ طالَ الثواءُ
يقول: الجارُ، وإنْ طال مقامه، كالضيف يغدو لوجهتهِ التي كان فيها، ويبقى عيبه وحديثه.
وإني قد علقتُ بحبلِ قومِ ... أعانهم على الحسبِ الثراءُ
الثراءُ: كثرةُ المال؛ أي أعانهم على معالي الأمورِ المالُ.
إذا نزلَ الشتاءُ بدار قومٍ ... تجنب جارَ بيتهم الشتاءُ
يقول: لا يصيب الشتاءُ جارهم ببرده وجوعه لإحسانهم إليه.
هم المتخفرونَ على المنايا ... بمالِ الجارِ ذلكمَ الوفاءُ
أي يقولون للجار: نحن ضامنون لك مالك إن طرد وهلك غرمناه لك.
يقولون: نحن نخفرك إن كثر مالك عندنا فهو لك، وإن قل وذهب به غرمناه.
هم الآسونَ أمَّ الرأس لمَّا ... تواكلها الأطبةُ والإساءُ
أمّ الرأس: الجلدة التي يكون فيها الدماغ. وتواكلها الأطبةُ: اتكل بعضهم على بعض. ويقال: نعم الإساء هذا؛ أي نعم الدواء والشفاءُ. يقول: هم المصلحون الفتق الذي أعيا المصلحين.
هم القومُ الذين إذا ألمتْ ... من الأيام مظلمةٌ أضاءوا
أي إذا ألمَّ أمر مظلم على الناس كشفوه. . قال خالد ابن كلتوم: الأيام هنا القحط والجدب. يقال: أضاءَ الشيءُ نفسه وأضاءَ غيره.
همُ القومُ الذين علمتموهم ... لدى الداعي إذا رفعَ اللواءُ
أي هم أول من يغيث الداعي إذا استصرخوا.
فأبقوا، لا أبالكمُ، عليهمْ ... فإنَّ ملامَةَ المولى شقاءُ
المولى هنا: ابن العم. يقول: إذا لمتَ مولاك فهو من الشقاءِ، وليس من السعادة أن تشتم مولاك ويشتمك.
وإنَّ أباهمُ الأَدْنَى أبوكمْ ... وإنَّ صدورهمْ لكمُ براءُ
وإنَّ بلاءهم ما قد علمتم ... على الأيام إنْ نفع البلاءُ
يقول: إن بلاءهم ما جربتموه قديماً وخبرتمونه إن نفعهم ذلك عندكم. قال أبو الهيثم: الأيام هنا الوقائع.
وإنَّ عديدهم يربى عليكمْ ... وإنَّ نماءهم لكم نماءُ
العديد: العدد. قال الشماخ:
على أمِّ بيضاَء السلامُ مضاعفاً ... عديدَ حصًى ما بين حمص وشيزرا



وثغرٍ لا يقامُ به كفوكمْ ... وكم يكُ دونهمْ منكمْ كفاءُ

الثغر: موضع المخافة، وهو الفرج. ويقال: ولي فلان الفرجين: سجستان وخراسان.
ترقى في أعنتها قريعٌ ... فسعدٌ كلها لهمُ الفداءُ
ترقى في أعنتها: أي تزداد خيراً كلما جوريت.
فإنكمُ وفقدكمُ قريعاً ... لكالماشي وليس له حذاءُ
ومعضلة تضيقُ بها ذراعي ... ويعوزها التحفزُ والبلاءُ
فلما أنْ دعوت لها بغيضاً ... أتاني حينَ أسمعهُ النداءُ
قال أبو حاتم: هذا آخرها.
وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ في هذا الموضع بيتان؛ قال أبو حاتم: مصنوعان مردودان:
بزاخرِ نائلٍ سبط ومجدٍ ... مخالطةُ العفافةُ والحياءُ
وأمضَى منْ سنانِ أزأنيٍّ ... طعنت به إذا كرهَ المضاءُ

تعليقات مختارات من شعر الحطيئة وأخباره الجزء -1-


مختارات من  شعر الحطيئة وأخباره الجزء -1-






بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين




قال أبو حاتم سهل محمد السجستاني: أخبرنا الأصمعي، قال: كان من حديث الحطيئة والزبرقان بن بدر البهدلي أن الزبرقانَ خرج يريد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة مجدبة ليؤدي إليه صدقات قومه، فلقي الحطيئة بقرقرى، ومعه امرأتان أو امرأةٌ وابنان يقال لأحدهما سوادة وللآخر إياس، وبنات له.
فقال له الزبرقان: أين تريد؟ فقال: العراق، حطمتني السنة. فقال له: هل لك في جوارٍ كريم ولبنٍ كثير وتمر؟ قال: ما أرجو هذا كله.
قال له الزبرقان: فإن لك هذا. فسر إلى أم شذرة امرأتي، وهي بنت صعصعة، وهي عمة الفرزدق.
فكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن.
فقدم عليها، وكان دميماً سيئ الحال، لا تأخذه العين، ومعه عيال كثير. فلما رأته هان عليها، وقصرت به. فرأى ذلك بنو أنف الناقة، وهم بيت سعد، فأرسلوا إليه أن ائتنا، فنحن خير لك، وكتموا المرأة اسمه، فلم تعرفه.
وكانوا إذا دعوه إلى أنفسهم يأبى ويقول: إن من رأى النساء التقصير والغفلة؛ ولست أحمل على صاحبي ذنبها.
وألح عليه شماس بن لأي، وبغيض، والمخبل - وكان المخبل سليط اللسان، وهو ابن عمهم - وعلقمة بن هوذة؛ وكان علقمة أشد القوم إلحاحاً عليه، لشعرٍ قاله الزبرقان فيه؛ وهو قوله:


لي ابنُ عمٍّ لا يزا ... لُ يعيبني ويعنيُ عائب

وأعينهُ في النائبا ... تِ ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إل ... يَّ ولا تنبهه عقاربْ
لاهِ ابنُ عمكَ ما تخا ... فُ الجازياتِ من العواقب
وكان علقمة ممتلئاً غيظاً عليه لهذا الشعر. وكان الآخرون ممتلئين حسداً وبغياً. فأما حماد
الراوية فزعم أن الملح عليه بغيض.
فمكث الحطيئة بتلك الحال أشهراً، والزبرقان بالمدينة.
ثم إن امرأة الزبر قان استأنفت العشب فتحملتْ؛ وقالت للحطيئة: أرد عليك الإبل، فتركته يومين وليلتين. فاغتنم ذلك بنو شماس - وهم بنو أنفِ الناقة - فأتوه، فقالوا له: احتمل أيها الرجل. فقال: أما الآن فنعم.
فأتاه بغيض بن عامر بن شماس - وكان شريفاً - فاحتمله حتى أتى به أهله، فأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحاً وكسوة - قال: اللقاح، واللقحُ واحدتها لقحةٌ ولقحةٌ ولقوح - وهي الحلوب - وأبطأ عليهم أن يهجو الزبرقان.
والزبرقان من بني بهدلة، وكان في بني بهدلة قلةٌ، ولم يكونوا إلى هؤلاء ولا قريباً، غير أن الزبرقان قد كان بنفسه شريفاً منيعاً، عضب اللسان، فحضضوا الحطيئة عليه. فقال: لست بهاجيه ولا ذنبَ له فيما صنع امرأته، ولكني ممتدحكم، وذاكر ما أنتم له أهل.
وأما حماد الراوية فقال: قالوا له أبطأت أن تسمع شباننا بعض ما يتغنون به من شتم هذا الكلب. فقال: قد أبيتُ عليكم أهون من شتمه، ولا ذنبَ له فيما أتتْ به امرأته؛ ولكن إن شئتم مدحتكم؛ فأنتم أهل ذاك.
فقالوا:


ما مدحنا من لم يشتم الزبرقان؛ ولم يقصروا في كرمته.

فلما أكثروا عليه قال يمدحهم، ويعرض بهجو الزبرقان وقومه؛ والقصيدة:
ألا أبلغ بني كعبٍ رسولاً ... فهل قومٌ على خلقٍ سواءُ
وأما أولها عندي فعلى غير هذا.
قال أصحابنا: فلما قدم الزبرقان على أهله سأل عن الحطيئة، فقالوا: تحول إلى بغيض، فأتاهم، فقال: ضيفي، وأنا أرسلته إلى امرأتي، ولكن كان منها الجهل. فقالوا: ما هو لك بضيف، وقد أهنته وطردته، فتلاحوا حتى كان بينهم تناصٍ وشجاج - تناصٍ: أخذٌ بالنواصي - فاستعدى عليهم الزبرقان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه. فقال: ليذهب إلى أي الحيينِ أحب؛ فإنه مالكٌ لنفسه.
فلما رأى الزبرقان أنه اختار عليه أرسل إلى رجلٍ من النمر بن قاسط، يقال له دثار بن سنان؛ فهجا بغيضاً وبني قريع؛ فقال:
أرى إبلي بجوف الماءِ حنتْ ... وأعوزها به الماءُ الرواءُ
الماء الرواءُ: الكثير: قال الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتأبيه ... ماءٌ رواءٌ ونصيٌّ حوليهْ
وقد وردتْ مياه بني قريعٍ ... فما وصلوا القرابة مذْ أساءوا
تحلأُ يومَ وردِ الناسِ إبْلِي ... وتصدرُ وهي محنقةٌ ظماءُ
ألمْ أكُ جاهَ شماسِ بن لأيٍ ... فأسلمَ حين أنْ نزلَ البلاءُ
فقلتُ تحولي يا أمَّ بكر ... إلى حيثُ المكارمُ والعلاءُ
وجدنا بيتَ بهدلة بنِ عوفٍ ... تعالى سمكهُ ودَجَا الفناءُ
دَجَا: من قولهم: عيش داج إذا كان خافضاً ساكناً. والفناء: ما امتد مع الدار من جوانبها.
وما أضحى لشماسِ بنِ لأي ... قديم في الفعال ولا رباءُ


سوى أن الحطيئةَ قال قولاً ... فهذا منْ مقالكم جزاءُ

وقال دثار بن سنان أيضاً:
دعاني الأثبجانِ ابنا بغيضٍ ... وأهلِي بالفلاةِ فمنياني
الثبجة: الحدبة في الصدر.
وقالا سرْ بأهلكَ فأتينَّا ... إلى حب وأنعامٍ سمان
فسرتُ إليهمُ عشرينَ شهراً ... وأربعةً فذلكَ حجتان
فلمَّا أنْ أتيتُ بني بغيضٍ ... وأسلمني لدائي الداعيان
يبيت الذئب والعثواءُ ضيفاً ... لنا بالليل بئسَ الضائفان
أمارسُ منهما ليلاً طويلاً ... أهجهجُ عن بنيَّ ويعروانِ
يروى: ويغشيان.
تقولُ حليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرمِ الهجان
سيدركنا بنو القمر ابن بدرٍ ... سراجُ الليلِ للشمس الحصان
فقلتُ ادعي وأدعُ فإنَّ أندَى ... لصوتِ أن ينادِيَ داعيان
ويروى: فقلت ادعي وأدعو إن أندى. ومعنى الأول: فقلت: ادعي ولأدعُ؛ فلذلك جزمه. ويقال: فلان أندى صوتاً من فلان؛ أي أبعد مذهباً
فمنْ يكُ سائلاً عني فإني ... أنا النمريُّ جارُ الزبرقانِ
طريدُ عشيرةٍ وطريدُ سربٍ ... بما اجترمتْ يدي وجنى لساني
كأني إذ حللتُ به طريداً ... حللتُ على الممنعِ من أبانِ
أبان: جبل. والمنع: العالي الذي يمتنع من أن يبلغه أحد.
أتيتُ الزبرقان فلم يضعني ... وضيعني بتريمَ من دعاني
فلما بلغ ذلك الحطيئة هجا الزبرقان، فقال:
واسم الحطيئة جرول بن أوس


بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وكنيته أبو مليكة.

والله ما معشرٌ لاموا امرأً جنباً ... في آلِ لأي بن شماسِ بأكياسِ
الجنب، والجانب، والأجنب، والأجنبي: الغريب. قال القطامي في الجانب:
فسلمتُ والتسليمُ ليس يسرها ... ولكنه حقُّ على كلِّ جانب
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوماً يجئ مسحي وإبساسي
المري: أن تمسح ضرع الناقة بيدك لتدر؛ فضربه مثلاً؛ أي قد رفقتُ بكم فلم يجيء رفقي بخير. والإبساس: دعاء الناقة، وهو أن يقول: بس بس.
وقد مدحتكم عمداً لأرشدكم ... كيما يكون لكم متحي وإمراسي
المتح: استقاء الماء ببكرة. والإمراس: أن يزول الحبل عن مجراه من البكرة فيرد إليه. يقال: أمرسته إذا رددته إلى مجراه. وأمرسته: صرفته عن مجراه. وهو من الأضداد. ومرس الحبل: زال عن مجراه. قال الكميت:
ستأتيكم بمترعةِ ذعافاً ... حبالكم التي لا تمرسونا
وقد نظرتكمُ إيناَء صادرةٍ ... للخمسِ طالَ بها حوذي وتنساسي
الخمس: سير أربعة أيام، ووردُ اليوم الخامس، عن أبي الهيثم خالد بن كلثوم؛ أي انتظرتكم كما تستأني الإبلُ الصادرة التي ترد الخمس. والحوذ: السوق قليلاً قليلاً. ويروى: حوزي. والنس: السوق. والتنساس كقولك الترداد والتكرار.
لما بدا لي منكمْ غيبُ أنفسكم ... ولم يكنْ لجراحي منكم آسي
يقال للطيب آسيٍ. والأسوُ: الإصلاح.
أجمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُ ... ولا ترى طارداً للحرِّ كالياسِ
يروى: يأساً مريحا.
ما كان ذنبُ بغيضٍ أن رأى رجلاً ... ذا فاقة حلَّ في مستوعرٍ شاسِ
هذه رواية حماد الراوية. وروى الأصمعي:
ما كان ذنبُ بغيضٍ لا أبالكمُ ... في بائسٍ جاء يحدو آخر الناس
ورواية حماد أجود، لئلا يتكرر: الناس في القافية؛ فيكون إيطاءً قبيحاً.
يقال: مكان شأس، وشأزٌ: وعر، أي لم يكن له ذنب حين دعاني فأحسن إلي؛ لأنه رآني ضائعاً.
جاراً لقومٍ أطالوا هونَ منزله ... وغادروهُ مقيماً بين أرماسِ
الأرماس: القبور. يقول: كنتُ كأني ميتٌ بين الأموات. ضربه مثلاً.
ملوا قراه وهرتهُ كلابهمُ ... وجرَّحوهُ بأنيابٍ وأضراسِ
هرته كلابهم: ضربه مثلاً. وجرحوه بأنيابٍ وأضراس: أساءوا له القول.
لا ذنبَ لي اليومَ إنْ كانتْ نفوسكمُ ... كفاركٍ كرهتْ ثوبي وإلباسي
أي إن كانت نفوسكم لي كنفسِ الفارك - وهي المبغضة لزوجها - ضربه مثلاً.



من يفعل الخيرَ لا يعدمْ جوازيهُ ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والناسِ

قال أبو حاتم سهل بن محمد: سمعت الأصمعي يتعجبُ من جودةِ هذا البيت، وقال: جاء بمثلين في بيت واحد. وقال: مثلُ هذا في الجودة بيت النابغة:
جيشٌ يظلُّ به الفضاءُ معضلاً ... يذرُ الإكامَ كأنهنَّ صحارى
الفضاء من الأرض: البارزة التي ليس فيها جبل.
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
وابعثْ يساراً إلى وفرٍ مذممة ... واحدجْ إليها بذي عركينِ قنعاسِ
أي إلى إبلٍ موفورة. مذممة: لا يعطى منها أحد شيئاً، ولا يمنحُ ولا يقرى منها ضيفٌ. والذمُّ في المعنى يقع على صاحب هذه الإبل الوافر. واحدج إليها بعيراً ذا عركين، والعركان مثل الضاغطين. وقنعاس: شديد. والحداجة: مركب.
قد ناضلوكَ فأبدوا من كنائنهم ... مجداً تليداً ونبلاً غيرَ أنكاسِ
أي لما رميتَ ورموا فلجوا عليك، وجاءوا بما لم تجئ به، كأنهم فاخروه فرجحوا عليه بآبائهم وأجدادهم. وضرب النبل والكنانة مثلاً.
وقال أبو الهيثم خالد بن كلثوم: النكس من السهام: المنكوس الذي جعل أعلاه أسفله؛ فهو ضعيف أبداً، فأراد أن ما افتخروا به ورموك به من فخرهم كان قوياً كنبلٍ ليست بأنكاسٍ.
ما كان ذنبيَ أن فلتْ معاولكمْ ... من آل لأيٍ صفاةٌ أصلها راسي
الراسي: الثابت. أي ما كان ذنبي أن أردتموهم فلم تعمل محافركم فيهم.
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه واستنشده، فأنشده، فقال عمر لحسان بن ثابت: أتراه هجاه؟ فقال: نعم، وسلح عليه. فحسبه عمر.
فقال وهو في الحبس:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخِ ... زغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبهمْ في قعرِ مظلمةِ ... فاغفر عليكَ سلامُ اللهِ يا عمرُ
أنتَ الإمامُ الذي منْ بعدِ صاحبهِ ... ألقى إليه مقاليدَ النهى البشر
ما آثروكَ بها إذ قدموكَ لها ... لكنْ لأنفسهم كانتْ بك الإثرُ
الإثرة: الخاصة. آثره إيثاراً: خصهُ دون غيره. واستأثر بكذا: اختص به نفسه. ويقال: من يملك يستأثر.
الاثنين، 10 فبراير 2014

تعليقات هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ -حسان بن ثابت-

بسم الله الرحمن الرحيم






هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ



حسان بن ثابت




عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ، إلى عذراءَ منزلها خلاءُ

دِيَارٌ مِنْ بَني الحَسْحَاسِ قَفْرٌ، تعفيها الروامسُ والسماءُ

وكانَتْ لا يَزَالُ بِهَا أنِيسٌ، خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ

فدعْ هذا، ولكن منْ لطيفٍ، يُؤرّقُني إذا ذَهَبَ العِشاءُ

لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ، فليسَ لقلبهِ منها شفاءُ

كَأنّ سَبِيئَة ً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ، يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ

عَلى أنْيَابهَا، أوْ طَعْمَ غَضٍّ منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ

إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوماً، فَهُنّ لِطَيّبِ الرَاحِ الفِدَاءُ

نُوَلّيَها المَلامَة َ، إنْ ألِمْنَا، إذا ما كانَ مغثٌ أوْ لحاءُ

ونشربها فتتركنا ملوكاً، وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ

عَدِمْنَا خَيْلَنا، إنْ لم تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ، مَوْعِدُها كَدَاءُ

يُبَارِينَ الأعِنّة َ مُصْعِدَاتٍ، عَلَى أكْتافِهَا الأسَلُ الظِّماءُ

تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ، تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا، وكانَ الفَتْحُ، وانْكَشَفَ الغِطاءُ

وإلا، فاصبروا لجلادِ يومٍ، يعزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

وَجِبْرِيلٌ أمِينُ اللَّهِ فِينَا، وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْداً يقولُ الحقَّ إنْ نفعَ البلاءُ

شَهِدْتُ بِهِ، فَقُومُوا صَدِّقُوهُ! فقلتمْ: لا نقومُ ولا نشاءُ

وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسّرْتُ جُنْداً، همُ الأنصارُ، عرضتها اللقاءُ

لنا في كلّ يومٍ منْ معدٍّ سِبابٌ، أوْ قِتَالٌ، أوْ هِجاءُ

فنحكمُ بالقوافي منْ هجانا، ونضربُ حينَ تختلطُ الدماءُ

ألا أبلغْ أبا سفيانَ عني، فأنتَ مجوفٌ نخبٌ هواءُ

وأن سيوفنا تركتك عبدا وعبد الدار سادتها الإماء

كَأنّ سَبِيئَة ً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ، تُعفيِّها الرّوَامِسُ والسّمَاءُ

هجوتَ محمداً، فأجبتُ عنهُ، وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ